وهبة الزحيلي

227

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أراد بالخلقة : الصورة . 5 - الله هو المختص بعلم الغيب في الماضي والحاضر والمستقبل ، فلما سأل فرعون عن حال وشأن الأمم الغابرة ، أجابه موسى وأعلمه أن علمها عند الله تعالى ، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه ، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو ، وما أنا إلا عبد مثلك ؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب ، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله تعالى في اللوح المحفوظ . 6 - هذه الآية : قالَ : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ . . ونظائرها تدل على تدوين العلوم وكتبها لئلا تنسى ، فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان . وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع ، فيقيده لئلا يذهب عنه . جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه ، فهو موضوع عنده : إن رحمتي تغلب غضبي » . وفي صحيح مسلم أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه - رجل من اليمن - لما سأله كتبها . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « قيدوا العلم بالكتابة » . و أسند الخطيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل من الأنصار لا يحفظ الحديث : « استعن بيمينك » . وأما النهي عن كتابة الأحاديث ، فكان ذلك متقدما ، فهو منسوخ بأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالكتابة ، وإباحتها لأبي شاه وغيره . قال أبو بكر الخطيب : ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ، ثم الحبر خاصة ، دون المداد « 1 » ؛ لأن السواد أصبغ الألوان ، والحبر أبقاها على مر الدهور ، وهو آلة ذوي العلم ، وعدة أهل المعرفة .

--> ( 1 ) الحبر والمداد في اللغة سواء . ولعل المراد به المداد الذي لا لون له أو لونه باهت .